10 janvier 2008

الإطار المرجعي

منذ الإجهاز على حق الشعب المغربي في التحرر أرضا وشعبا بعد مقاومته الباسلة للاستعمارين المباشرين الفرنسي والاسباني، نتيجة تكالب الرجعية والاستعمار وتواطؤ مكشوف من قوى البرجوازية الناهضة في منتصف الخمسينات، دأبت الطبقات الحاكمة في المغرب على سن سياسة طبقية تخدم رأس المال الإمبريالي وحفنة من المستغلين محليا، على حساب أوسع الجماهير الشعبية. وهكذا، تم الاستيلاء على أجود الأراضي الفلاحية من قبل حفنة من الملاكين الكبار الذين عوضوا المعمرين فيما تحول أغلب سكان البوادي إلى فلاحين كادحين أو عمال زراعيين. كما تم الاستيلاء على أهم المرافق الاقتصادية (مناجم، مرافق وموانئ الصيد البحري ...) من قبل الرأسماليين، فيما تكلفت البيروقراطية الإدارية،ـ بنهب المكاتب الوطنية والمنشآت العمومية ذات الطبيعة التجارية الخدماتية وجعلت منها مرتعا للاغتناء والنهب الممنهجين عبر منح رخص الصيد البحري ومقالع الرمال والنقل بجميع أشكاله، فيما أدت الطبقة العاملة المغربية ضريبة النضال ضد الاستعمار عبر مزيد من الاستغلال والتشريد والتفقير. وقد عرف المغرب سنة 1977 أزمة اقتصادية خانقة نتيجة السياسات الطبقية المنتهجة جعلت الطبقات الحاكمة تلجأ إلى تطبيق ما سمته آنذاك "سياسة التقشف" (أي التقشف في المجالات الاجتماعية والتبذير في الحفلات والسهرات والنهب من قبل الحاكمين) وكان ذلك عبر مخطط 1978 – 1980. هذا المخطط الذي كان من انعكاساته المباشرة زيادات مهولة في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية كالسكر والزيت والدقيق والحليب. ولأن جماهير الطبقات الكادحة كانت هي المستهدفة من هذا المخطط فقد انتفضت بالدار البيضاء في 20 و21 يونيو 1981 ضد هذه الزيادات وضد سياسة الدولة بشكل عام. هذه الانتفاضة التي تم قمعها بالحديد والنار خلفت الآلاف من شهداء الشعب المغربي، أكدت للطبقات الحاكمة أن حكاية الإجماع والمسلسلات لا تنفع أمام تدهور الأوضاع. وفي الحقيقة فإن انتفاضة يونيو 1981 لم تكن سوى محطة من المحطات التي عبرت فيها الجماهير الشعبية عن رفضها الإجهاز على حقوقها. فانتفاضة مارس 1965 وكذا أبريل 1979 من أجل الحق في التعليم للجميع وبمجانيته دليل على ذلك. وتكريسا لطبيعتها التبعية، أبت الطبقات الحاكمة في المغرب إلا أن تنصاع لتوصيات بل املاءات صندوق النقد الدولي كمنظمة إمبريالية بنهج ما يسمى برنامج التقويم الهيكلي ابتداء من سنة 1983 حيث ارتكزت هذه الاملاءات في حملة كبيرة من الخوصصة وتحرير الاقتصاد المغربي والتقليص الشديد من النفقات على الخدمات العمومية والإجهاز على المجانية النسبية التي ميزت الولوج للتعليم والصحة العمومية مثلا. وذلك مقابل قروض من المؤسسات المالية الدولية "لإعادة هيكلة الاقتصاد" وسداد المديونية. وقد كرس ذلك تفاقم الدين الخارجي على المغرب إذ بلغ إلى حدود 1998 حوالي 25 مليار دولار، فيما تبتلع خدمة هذا الدين ما يناهز 33 % من ميزانية الدولة طوال عقد التسعينات. وقد اجتهدت الدولة في أداء هذه الديون أو إعادة جدولتها وفق شروط المؤسسات المالية مما زاد في إثقال كاهل الطبقات الشعبية وارتفاع مهول في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية – خصوصا بعد سن ضريبة جديدة أواسط الثمانينات - وهي الضريبة على القيمة المضافة (TVA) مقابل تخفيض مهم في معدلات الضريبة على الشركات لكي تستقر في %35 فقط. كل هذا مقابل تجميد الأجور وخفض وثيرة التوظيف في أسلاك الدولة احتراما للتعهدات مع البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. في هذا الخضم، وأمام عجز الاقتصاد الرأسمالي التبعي في المغرب عن حل أزمته البنيوية الدائمة عمدت الدولة مرة أخرى خلال سنة 1989 إلى شن زيادات أخرى في أثمان المواد الأساسية. فكان رد الكادحين مرة أخرى قويا من خلال انتفاضة 14 دجنبر 1990 المجيدة بكل من فاس وطنجة ابني مكادة التي تم قمعها كذلك بالرصاص والاعتقال. وقد اضطر النظام آنذاك لتنفيس حالة الغليان إلى إعلان زيادات طفيفة في أجور الموظفين والقطاع الخاص وإلى اتخاذ "مبادرات توهيمية" أخرى من قبيل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان والمجلس الوطني للشباب والمستقبل وإعلان فتح ورش "إصلاحات" دستورية. وطيلة سنوات التسعينات، واصلت الدولة استكمال فصول الإجهاز على مجموعة من المكتسبات وعملت بتواطؤ. بل وتنفيذ من قبل القوى الإصلاحية على تمرير مخططات طبقية ترمي إلى تصفية الخدمات العمومية والالتفاف على مطالب الحركة الجماهيرية (ميثاق التربية والتكوين، مدونة الشغل، قانون الإرهاب، قانون الصحافة، مدونة الأسرة، مراسيم الأداء عن الخدمات الطبية في المستشفيات العمومية، مشروع القانون التنظيمي للإضراب، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ...الخ) والاستمرار في خوصصة المنشآت العمومية. وفي المقابل، تم إلغاء قانونها حول السلم المتحرك للأجور وجمدت التوظيف. وككل مرة، لم تبق الجماهير الشعبية تتلقى الضربات وتتفرج على حالها، بل حاولت مقاومة هذه المخططات فخرجت منتفضة في أماكن عديدة بشكل عفوي أحيانا وأحيانا بخلق أشكال تنظيمية بسيطة للدفاع عن قوتها وكرامتها. وهكذا كانت احتجاجات طاطا، إيفني، تاماسينت، بني تيدجيت، بوعرفة، بكارة/الغرب، أولوز/تارودانت، آيت بلال/أزيلال، تارميلات/الخميسات، خنيفرة ... الخ. وسيرا على نفس النهج، قررت الطبقات الحاكمة خلال سنة 2006 الزيادة في معدلات الضريبة على القيمة المضافة تباعا من 7% إلى 10% ومن 14 إلى 20% بالإضافة إلى إخضاع مواد وخدمات أخرى أساسية لم تكن خاضعة من قبل للضريبة كمادة الزبدة. كما قررت كذلك التخفيض من الشطر الاجتماعي من الماء الشروب من 8 إلى 6 متر مكعب في الشهر بدلا من رفع هذا الشطر و من ثمة الرفع في سعر فاتورة التطهير، والزيادة في ثمن الكهرباء ب 7 %. وأجازت الزيادات في النقل الحضري وبين المدن وعبر القطارات إضافة إلى مواد أخرى كثيرة. هذه الزيادات الأخيرة أدت إلى تفاقم الاحتجاج في كل أنحاء المغرب بمدنه وقراه وأدى إلى خروج أبناء الطبقات الشعبية الكادحة في مظاهرات ووقفات احتجاجية أمام المكتب الوطني للماء الصالح للشرب والمكتب الوطني للكهرباء ووكالات توزيع الماء والكهرباء وكذا في الساحات العمومية وعبر مسيرات محلية ضد الغلاء وضد الإجهاز على الخدمات العمومية وضد الخوصصة. في سياق هذه الدينامية الشعبية برزت حركة مناهضة الغلاء وتشكلت تنسيقيات محلية لمناهضة الارتفاع في الأسعار وكذا تنسيقيات للأحياء الشعبية ، حيث كانت في البداية تتشكل من مكونات سياسية ونقابية وحقوقية سبق لها أن نسقت او تنسق في مجالات اشتغال أخرى 5 قانون الأحزاب، قانون الصحافة، الدستور...( ودعت إلى ملتقى وطني في 29 أكتوبر 2006 الذي كان محطة أساسية في مأسسة هذه الحركة رغم ما شابه من نقص في التحضير، وهذا ما عكسته طبيعة القرارات المتخذة 5 وقفات أمام البرلمان، مراسلات للمؤسسات الرسمية، وقفات أمام مباني ورموز المؤسسات المساهمة في الزيادات المهولة للأسعار..)، ومع مرور الوقت وتراكم الخبرات انطلاقا من كون الغلاء يمس بشكل أساسي الجماهير الشعبية اتجه عمل التسيقيات إلى إشراك هذه الأخيرة في التقرير والتسيير والتنفيذ والمساهمة المالية، فتم تركيز الأشكال النضالية في مواقع البؤس والكدح حيث الاكتواء الحقيقي بنار الغلاء، وحيث المظاهر الحقيقية لآثار هذا الغلاء، لتكون بذلك التنسيقيات قد حققت قفزة نوعية، أي الانطلاق من واقع إطارات سياسية نقابية منسقة ظرفيا ( مناقشة الميزانية العامة) إلى انفتاح تام على الجماهير الشعبية، حيث بدأ التفكير في تنظيمها وحثها على النضال ضد الغلاء وتدهور الخدمات العمومية، وإبداع الصيغ التنظيمية الكفيلة بتحقيق الأهداف، وبذلك تم الشروع في تأسيس عدد من لجان الأحياء عن الملتقى الوطني الثالث للتنسيقيات الرباط في 03 يونيو 2007


Commentaires sur الإطار المرجعي

Nouveau commentaire